Algerien Star
مرحبا بك في منتديات النجم الجزائري
يمكنك التسجيل بسهولة من خلال النافدة الخاصة بالتسجيل المتواجدة في الأعلى و هكذا تصبح عضو و تستفيد من مزايا خاصة
شكرا على زيارتك لمنتدياتنك

Algerien Star

Forum lié avec la page de MADE IN ALGERIA sur le FACEBOOK
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول
ننتظرك أخي على صفحتنا في الفايسبوك

شاطر | 
 

 رواية الليل و الزمان

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
redouane
نجم متطور
نجم متطور
avatar

عدد المساهمات : 484
نجوم : 898
تاريخ التسجيل : 22/10/2010
الموقع : relizane

مُساهمةموضوع: رواية الليل و الزمان   السبت نوفمبر 06, 2010 4:32 pm

الكتاب الثامن.. الليل والزمان.. المحاق

حدث ذلك في منتصف ليلة تشرينية عاصفة.. كان البرد قد جاء مبكراً في ذلك العام.. قبل أن يذهب سعد وهناء إلى غرفة نومهما بعد أن تناولا وأمهما عشاء خفيفاً، كانت نشرة الأنواء الجوية التي يبثها تلفزيون بغداد، كل ليلة، قد تنبأت بليلة تسيح في سمواتها غيوم تسوقها ريح تفوق سرعتها سبعين كيلو متراً في الساعة..‏

بعد أن رقد سعد في فراشه أنارت هناء مصباحاً منضدياً ليبدد شيئاً من الظلمة.. أطفأت الأضواء السقفية وأوت إلى فراشها.. لم تنم سوى ساعات قلائل حين أفاقت على فحيح الريح.. فتحت عينيها قليلاً.. أضواء خافتة منبعثة من مصابيح الحديقة، كانت تتأرجح في جو الغرفة مرتمية على الجدران والسقف بفعل حركة الستائر الشفافة المسدلة على النوافذ.. والتي كانت الريح المتسللة عبر أُطر النوافذ تعبث بها.. نظرت إلى السماء البعيدة.. تبحث عن نجمة.. عن القمر.. لم يكن هناك غير سواد مخملي يجلل السماء ويلف الكون كله.. خُيلَ لها أنها سمعت أنيناً خافتاً فيه بحة.. خالت أن ما سمعته لم يكن غير أنين الريح..‏

تقلبت في فراشها.. عَوَت الريح من جديد.. شيء من الخوف تسرب إلى قلبها.. حاولت أن تغفو.. لملمت أطرافها حتى كادت ركبتاها تمسان فكها الأسفل.. استدارات نحو الجدار وكأن ذلك يمكن أن يمنحها ما تهفو إليه من الأمان.. بعد حين.. وقد جفا النوم عينيها خُيِلَ لها أنها سمعت الأنين الخافت المبحوح عينه.. يسرى عبر العتمة.. والريح تزأر.. استدارت.. فتحت عينيها قليلاً.. أيمكن أن ينبعث هذا الأنين من سرير سعد؟ راحت تتطلع إليه خلسة دون أن تتحرك أو تنبس ببنت شفة.. كان الخوف يتبرعم في أعماقها كلما عصفت الريح بأشجار الحديقة أو هزت جذع النخلة.. باعثة فحيحا موحشاً.. أو عبثت بالأبواب والنوافذ ليصدر عن ذلك صرير أشبه بأنين مبحوح.. تكورت على نفسها.. بعد لحظات رأت سعداً ينهض من فراشه ويغادر الغرفة.. كاد الخوف يشلها عن الحركة.. أين ذهب في هذه الليلة الظلماء.. حاولت أن تبعد الخوف عنها.. لتخرج وراءه.. لكن باب الغرفة فُتح بهدوء.. وعاد سعد.. اتجه إلى سريره ورقد محاولا ألا يصدر أي صوت مخافة أن تفيق هناء.. وقد ظنها نائمة.. شعرت بشيء من الاطمئنان.. غزا النوم عينيها.. لكنها أفاقت بعد لحظات على صوت صرير الباب والنوافذ.. تجمدت في سريرها.. فتحت عينيها قليلاً.. لترى سعداً وهو يغادر الغرفة ثانية.. بهدوء كلي.. جفلت وهي تفكر ((ما به)) وأين يذهب في هذا الليل المدلهم والريح تعوي.. حاولت أن تنهض من فراشها.. لتلحق به لكنه عاد من جديد واندسّ في فراشه بهدوء.. أرادت أن تسأله ما الذي كان يجري.. لكنها ترددت... ظلت صامتةَ وقد جفا النوم عينيها.. بعد فترة وجيزة تكرر ما حدث.. بعد المرة السادسة أو السابعة لخروجه من الغرفة وعودته.. استجمعت شجاعتها.. رفعت رأسها بتثاقل.. وبصوت هامس يكاد لا يسمع.. سألته:‏

ـ سعد.. ما بك؟‏

ظل صامتاً لحظات.. ثم قال:‏

ـ لا أدري.. لكني أشعر بضيق فأذهب إلى دورة المياه..‏

ـ غريب.. ماذا حدث لك؟..‏

ـ لا أدري.. لا أدري..‏

ـ حسناً.. حاول أن تنام.. لعل ما يضايقك شيء طارئ يزول عند الصباح..‏

ـ سأحاول..‏

لكن هناء لم تستطع النوم.. كانت الريح قد هدأت عند الفجر.. وما إن أشرقت الشمس حتى نهضت من فراشها...‏

كانت أم سعد في المطبخ تعد شاي الصباح.. انضمت إليها هناء لتساعدها في إعداد الفطور.. قالت مخاطبة أمها:‏

ـ إنني لم أستطع النوم الليلة الماضية..‏

ـ ولا أنا.. كانت الريح مزعجة.. يزيدها إزعاجاً صرير الأبواب والنوافذ... آه يا لها من ليلة..‏

ـ ماما..‏

قالت هناء وتوقفت كمن يريد أن يقول شيئاً ولا يريد في الوقت نفسه.. خفضت بصرها وراحت تتطلع في بلاط الأرض وقد ضغطت بأسنانها على شفتها العليا.. التفتت إليها أم سعد.. انتبهت إلى ما كانت عليه.. تركت ما بيدها واقتربت منها.. كانت تعرف أن تلك علامات تتسلل إلى تصرفات هناء على نحو لا إرادي حين يراودها قلق مبهم لأيما سبب من الأسباب.. أو حينما تسيطر عليها مشاعر غامضة تنم عن أن شيئاً مجهولاً.. لا يشي بخير، يحلق في الأفق.. وهو لابد آت..‏

ـ هناء.. ما بك؟‏

ـ رفعت هناء عينيها إلى أمها.. وقد علا وجهها شحوب ظاهر جراء ما عانته الليلة الفائتة.. من أرق وقلق وخوف.. قالت مترددة..‏

ـ ماما.. لا أدري ما به سعد..‏

ـ ما به؟ تساءلت الأم..‏

ـ لا أدري.. لكنه ذهب إلى الحمام تسع مرات أو عشراً..‏

تطلعت الأم مستغربة.. ثم قالت:‏

ـ لكنه لم يتناول شيئاً مما يمكن أن يسبب هذه الحالة..‏

كان سعد يقف آنذاك عند باب المطبخ إذ وصل للتو.. التفتت إليه:‏

ـ سعد حبيبي ما بك.. أتشعر بألم.. بشيء ما؟‏

ـ لا.. لا أشعر بألم.. لكني أحسُ خدراً في قدميَ وصداع..‏

ـ حسناً.. تعال اجلس هنا.. سيزول كل شيء إن شاء الله بعد أن تتناول الفطور..‏

وسحبت كرسياً لتتيح لـه الجلوس.. إلا أنها انتبهت إلى ما أثار في نفسها شكوكاً وَجِلَة.. كانت مشيته غير طبيعية.. كان يترنح قليلاً.. وحين جلسوا لتناول الإفطار.. لاحظت سميرة.. وهي تختلس النظر إليه.. إن ثمة تشنجات تعتري وجهه.. بين حين وحين.. فكان يرفع يده إلى خده يريد وقف ما كان يحس به.. وكومضةِ نجمٍ هوى في سماء سوداء غاب عنها القمر.. برقت في رأسها وجوه لم ترها.. وأسماء لم ينطق بها لسانها.. كارولين.. جيسي فرانك أدوين وفي لحظة نسيها الزمان.. لاح بذهنها وخبا.. كلمعة سيف.. وجه مشوش المعالم أصابه إشعاع من بزة أبيه.. فمضى مع من مضى من أطفال الإشعاع في أرض أور وآشور وبابل.. حاولت أن توقف ذلك الدفق الحزين.. بذلت جهداً لتسيطر على نفسها متشبثةً بأمل إبعاد تلك الانثيالات عن رأسها وقالت:‏

ـ سعد ابني.. سنذهب إلى المستشفى بعد الفطور..‏

انبرت هناء لتقول:‏

ـ ولكن اليوم هو الجمعة..‏

ـ آه.. صحيح.. نسيت ذلك.. غداً صباحاً نذهب إلى المستشفى..‏

ـ والمدرسة‍!؟ غداً السبت ولدينا امتحان في اللغة العربية.. وأنا أخاف أن أسقط.. لنذهب بعد...‏

وقاطعته سميرة:‏

ـ لا بأس.. سنذهب إلى المدرسة أولاً.. لنحصل على إجازة ثم نذهب إلى المستشفى لإجراء ما يلزم من الفحوص والتحاليل..‏

تقرر لإجرائها، إبقاء سعد في المستشفى بضعة أيام..‏

كان هناك العديد من الأطفال ممن كانوا يخضعون لسلسلة مماثلة من الفحوص والتحاليل.. كانوا يعانون من إصابات مختلفة.. ويوماً بعد يوم.. تذبل خدودهم تزداد وجوههم شحوباً.. وتتساقط شعورهم..‏

لاحظت أم سعد.. أن سعداً كان يزداد هزالاً وشحوباً.. وغمازتا خديه اختفتا تحت عظام وجنتيه.. ولم يكن العلاج الذي يتلقاه بقادر على أن يعيد لسعد.. صحته ونشاطه.. وانطفأت جمرتا خديه..‏

بعد أن انتهى الطبيب المشرف على علاجه من إعطاء توجيهاته إلى الممرضة المشرفة على متابعة حالته.. سألته أم سعد:‏

ـ قل لي دكتور.. ما به سعد؟‏

تطلع الطبيب في وجهها.. رفع يمناه إلى جبهته وكأنه يبحث عن جواب مستحيل.. جواب لا يبتعد عن الحقيقة.. لكنه لا يسبب لها ألماً..‏

ـ أم سعد.. إنك سيدة مثقفة.. ولا أستطيع أن أخفي عليك أنه المعدن المشع.. واستناداً لما أجريناه من تحاليل وفحوص.. فإن جزيئات من غبار ذلك المعدن غزت الجهاز العصبي والكليتين..‏

إنهدت الأرض تحت قدميها.. وانهارت السموات..‏

كانت تتوقع أي شيء.. أي شيء يصيب سعداً.. أي مرض من الأمراض التي يصاب بها الأطفال عادة.. أو الناس عموماً.. زكام.. انفلونزا.. تيفوئيد.. التهاب رئوي.. أو.. أي مرض من الأمراض التي يمكن علاجها والسيطرة عليها وإيقاف ترديها أو ما قد يستتبعها من مضاعفات.. لكنها لم تتوقع أبداً أن يصاب بمرض إشعاعي.. بعد كل العناية التي وفرتها لـه مذ كان طفلاً رضيعاً وحتى أيامه هذه..‏

كان سعد وهناء كل واغلي ما تملك في هذه الدنيا.. وسعد بالذات كان سواد عينيها.. النَفَسَ الذي يدخل صدرها ويخرج من رئتيها.. كان سعد.. حبها ومستقبلها.. تحلم به صبياً ليس كغيره من الصبيان.. تعد الأيام والليالي.. تنتظر الشمس في شروقها وفي الغروب.. وتنظر الهلال في جبينه إذ يغادر المحاق.. ترى في بسمته وجه رائد.. وفي عينيه نثيث دفء يهمي كما المطر في عيون رائد.. فتراه شاباً وسيم الطلعة تدور حوله الفراشات.. تراه مهندساً معمارياً يبدع أساطير جديدة يغادر منها بُناة برجنا الأسطوري الشهير.. أو عالماً يبحث عن أصول الأشياء.. من أين جاءت.. كيف جاءت وإلى أين المسير.. ذلك السؤال الذي ما كان يكف عن الإفصاح عنه فيبقيها هي عاجزة عن الجواب.. أو ليكون، كما كان يريد.. طبيباً يعالج من سقط ضحية الإشعاع.. وها هو الآن يرقد صريع المرض إياه.. بلا حراك.. بلا أمل في الشفاء.. وحتى بلا أمل في الحياة.. كيف حدث ذلك؟ متى؟ أين؟ بغداد..‏

بعقوبة.. البصرة؟! لا أحد يدري...‏

وقفت جامدة.. بادئ ذي بدء.. كأنها تمثال من رخام يقف هناك... منذ ألف عام.. ثم وكأنها غصت بجرعة ماء مُر.. استوعبت الموقف.. فغرت فاها.. اتسعت عيناها.. تلون وجهها ليكون مرتعاً لموجة من الشحوب.. تلتها حرارة اندفعت منابت شعر من رأسها نزولاً حتى عنقها.. فصدرها.. ألوان وردية.. وحمر.. راحت تنازع وجهها.. جيوش من نمال اجتاحت رأسها نازلة من أعلى الفِقر حتى أسفلها.. رافقتها موجات جديدة متتالية من ألوان متضاربة غزت وجهها.. ثانية بعد ثانية.. بين أصفر ليموني باهت.. واخضرار كامد مرشوشاً برمال سوداء.. وما كان بلون الرماد.. مزيحة اللون الوردي المتراجع.. حتى بدا وجهها أشبه بساحة اقتتال لتحيلها نثاراً في مهب الريح...‏

استدارت حول نفسها دورة كاملة.. دون أن تعي ما الذي كان يجري في أعماقها.. أو من حولها.. في العالم كله.. بكل سُدُمِه وشموسه.. وثقوبه السوداء.. مادت الأرض تحت قدميها.. دارت بها دورتين أو ثلاثاً.. غارت في هوة عميقة لإقرار لها.. وانقلبت صاعدة نحو السماء.. ثم راحت تغور.. وتغور في أعماق بعيدة لا نهاية لها. طنين يثقب الأذن.. أصوات متداخلة.. صراخ مبحوح.. عويل ينفجر من الأكوان البعيدة.. لفها في دوامة تدور بها كريح عصوف.. امتد ذراعاها يتطوحان في الفراغ يريدان التشبث بأي شيء يوقف ذلك الدوار والانهيار.. شهقات متقطعة متتابعة تتكسر في صدرها.. وهي تبحث عن هواء بعد أن ضاق صدرها حتى كادت أضلاعها تتحطم.. جف حلقها.. موجة من برد ثلجي حارق سرت هابطة من قاع رأسها حتى أسفل ظهرها.. رافقتها رعشة هزت جسدها كله.. تقلصت عضلات وجهها.. انطوى جسدها حتى كادت تهوي على الأرض لولا أن هرع الطبيب والممرضة إليها.. أمسكا بها وسارا إلى أريكة جانبية لترقد هناك.. أسرعت الممرضة إليها بدثار صوفي.. وضعت وسادة تحت قدميها.. فيما راح الطبيب يقيس ضغطها.. وقفت هناء إلى جانبها وقد ارتسمت الحيرة والخوف على وجهها وهي تمسك برأس أمها وكأنها تخشى عليه أن ينفصل عن جسدها.. لما كان عليه من شدة الارتعاش.. أسرعت الممرضة بكأس من شراب منعش.. قالت:‏

ـ خذي.. خذي أم سعد اشربي من هذا.. إنه سيريحك..‏

مصت منه رشفة واحدة.. أسندت رأسها براحة يدها اليسرى.. فيما راحت تعبث بيمناها بزر قميصها غير مدركة لما كانت تفعله.. ودموع حارة سخية تغسل وجهها بصمت.. ومن أعماق صدرها تنبعث، بين حين وحين.. شهقة خافتة وأنين يزيد الجرح التهاباً.. وتعصف برأسها أسئلة تتهاوى كنصال مسمومة:‏

((لماذا نحن؟.. لماذا ابتلينا بكل هذا البلاء؟ أكان ثمة خطأ إننا ولدنا هنا.. في هذه الأرض؟ أكان ثمة خطأ أن وجد العراق؟ وماذا فعلنا لنستحق كل هذا الجور والعناء؟ لماذا؟ لماذا))...‏

وأيام العراق ونهاراته تتوالى في ذاكرة الزمان.. ليالٍ كلها.. يجللها السواد ولطم الصدور.. كأن القدر أراد لهذه الأرض السخية المعطاء.. أن تكون في كل العصور والأزمان.. صومعة أحزان لا يبرحها هواة الحروب ومصاصو الدماء.. تذكر منهم كتب التاريخ (( عيلاميون.. كاشيون.. سلوقيون.. ساسانيون. مغول.. عثمانيون)).. وفي آخر الزمان إنكليز ومن بعدهم غزاة جاءوا من أقاصي الأرض.. تسبقهم هدايا أعياد ميلاد قرن جديد.. كروز.. ليزر.. توماهوك.. تطلق من أعالي البحار ومن أرض العرب.. لينشروا الموت، كما الشمس، مشعاً لكل الدهور الآتيات.. يدمروا.. وينهبوا.. و ((ليعطوا الثروة لمن يستحقها)).. هذا ما قاله واحد منهم... لماذا؟.. لماذا؟..‏

وينفلت من بين شفتيها.. واهناً.. ضعيفاً:‏

ـ ماذا فعلنا لنبتلي بكل هؤلاء.. وغيرهم كثار؟!‏

التفت الطبيب إلى الممرضة:‏

ـ أعطها حقنة مهدئة..‏

ثم إلى هناء:‏

ـ إنها بحاجة إلى ما يهديء من روعها.. فلا تقلقي..‏

"لِمَ غفوت يا كلكامش؟"‏

وتغيب عن الوجود في منحدر تتهادى بين كتله السديمية أشباح آتية من غور الزمان.. تروح وتجيء.. لا يستثير كياناتها الثلجية الشاحبة أي شيء في هذا الوجود.. وهناك في البعد.. رأته راقداً عند شاطئ الخليج.. تطلعت فيه.. إنه هو.. هو حقاً.. اقتربت.. وقفت إلى جانبه.. تنقلت بعينيها من رأسه حتى قدميه.. وقد استبدت بها الدهشة.. استفزتها حركةٌ مباغتة بين الأدغال.. فصاحت جزعةً:‏

ـ كلكامش.. كلكامش.. استيقظ.. كلكامش انهض..‏

تنحنح كلكامش.. قطب جبينه دون أن يفتح عينيه.. انقلب على جنبه الأيسر مديراً لها ظهره.. كررت النداء..‏

ـ كلكامش استيقظ.. انهض.. إن هناك أفعى بجانبك.. تزحف بين الأدغال.. إنها تقترب من نبتة الخلود التي أحضرتها من أعماق البحر.. كلكامش.. كلكامش انهض..‏

يعلو شخير كلكامش..‏

ـ كلكامش.. إن الحية تقترب منك.. أخشى أن تلسعك.. إنها من النوع السام جداً.. انهض يا كلكامش.. أتوسل إليك..‏

وأفاق كلكامش.. فتح عينيه.. انقلب على ظهره.. وتمطى ماداً ذراعيه حتى كاد يمسك الأفق.. التفت إلى سميرة.. قال لها:‏

ـ أيتها المرأة.. لِمَ أفسدت عليَّ نومتي؟ ماذا تريدين؟‏

فرك عينيه بظاهر كفيه.. وراح يتطلع فيها كأن امرأة من قبل لم تمر في مجال رؤيته.. ثم قال:‏

ـ إنني مُنْهَك من الغوص في الأعماق...‏

ـ أنت تتعب؟! وثلثاك إله؟‏

ـ أجل.. إنني متعب.. ولكن.. قولي لي.. من أنت؟ أنت لست عشتار..‏

ـ لا أنا لست عشتار..‏

وراحت تحذره جزعة..‏

ـ كلكامش احترس..‏

ـ ماذا هناك؟.. من أي شيء احترس؟‏

ـ الأفعى.. الأفعى..‏

ـ أية أفعى؟ أنت هي الأفعى..‏

ـ لا والله.. أنا لست الأفعى.. بل كانت هناك.. الأفعى..‏

وأشارت بيدها.. ثم قالت:‏

ـ لقد خرجت من هناك .. من بين الأدغال.. وزحفت نحوك.. كانت تريد أن تلسع.. أن تلسع... آه.. نسيت ماذا كنت أريد أن أقول..‏

وهَبَّ كلكامش مذعوراً.. قفز بعيداً عن الموضع الذي أشارت إليه.. تَلَفتَ بحثاً عن الأفعى التي انسلت بين الزروع.. ولم ينتبه كلكامش أن نبتة الخلود كانت قد اختفت.. صاح بسميرة غاضباً:‏

ـ أيتها الماكرة.. أنت تمزحين.. ماذا تريدين مني؟ أين الأفعى؟‏

ـ لا والله لم أكن أمزح..‏

ـ اسمعي أيتها المرأة الماكرة.. إن عشتار بجلالها وجمالها وقوة سطوتها وأصلها الإلهي.. وقوة ثورها السماوي.. عشتار هذه رفضتها أنا.. وأنت؟ أنت؟ ماذا تريدين؟ أن أعشقك أنت؟!‏

ـ صدقني يا كلكامش أنا لا أريدك أن تعشقني..‏

قالت سميرة ذلك وقد تملكها شيء من الخوف بسبب ضخامته وقوة عضلاته التي تفوق عضلات المتنافسين في مباريات الكمال الجسماني في زماننا..‏

كان ضخماً.. ضخماً جداً.. وعضلاته تبرز من تحت الجلد مثل كرات من صخر دون أن يبذل مجهوداً لإظهارها للناظرين.. ولحيته سوداء كثيفة تكاد تصل حلمتي ثدييه الهائلين.. ويداه.. يداه.. ياللهول.. كأنهما جذعان من جذوع أشجار الأرز.. وساقاه.. يا إلهي.. جذعا نخلتين.. أي والله.. جذعا نخلتين.. أي إله خلق هذا المخلوق السماوي.. وكيف حملته ننسون في بطنها!! إن شمشون بكل أوصافه الجبارة يبدو إلى جانبه صبياً رقيقاً ناعم الملمس.. ولا ارتياب في ذلك.. فما هو إلا مخلوق مستنسخ عن ذلك الإله الأرضي.. كلكامش!! قالت سميرة وقد انكمشت لائذةً بجذع نخلةٍ تشرب من ماء الخليج:‏

ـ اسمع يا كلكامش.. إن عشتارك.. وثورها قد نالهما البِلى منذ خمسة آلاف عام أو تزيد.. فلا أحد يعرف متى ولدتك أمك ننسون.. البقرة الوحشية المقدسة.. وأنا أعيش في زمان غير زمانك.. لكني جئت كي أنبهك أن الأفعى.. كانت هنا.. بجانبك..‏

ـ وأين هي الأفعى؟ قولي لي.. أين هي.. أنا لا أراها.. أين هي.. أيتها المرأة الكاذبة!.‏

ـ كلكامش.. أنا لست كاذبة.. لقد انسلت.. اختفت بين الأعشاب والحشائش الخضر.. بعد أن...‏

قاطعها كلكامش:‏

ـ بعد ماذا؟‏

ـ بعد أن سرقت منك نبتة الخلود..‏

ـ بل أنت التي سرقت نبتة الخلود.. أنت أيتها المرأة الماكرة..‏

ـ لا والله.. أنا لم أسرق شيئاً.. إنها الحية من فعل ذلك.. انظر إلى آثار زحفها على الرمال.. بجانبك..‏

وأشارت بيدها إلى حيث ارتسمت آثار زحف الأفعى على الرمال الذهبية.. تطلع كلكامش في ما حوله.. متفحصاً الأرض التي تحيط به.. حتى إذا رأى تلك الآثار صاح:‏

ـ حقاً.. هذه آثار زحف الأفعى..‏

ـ أصدقتني يا كلكامش.. ليتني كنت سرقت نبتة الخلود قبل أن تسرقها الأفعى.. لأنقذت سعداً وكل البشر..‏

ـ ولكن ما الذي تفعله الأفعى بنبتة الخلود.. أنا كنت أريد الخلاص مما يترك جثتي طافية على وجه النهر.. فماذا تفعل الأفعى بنبتة الخلود؟.‏

وتذكر كلكامش انكيدو.. لاحت لعين خياله جثته طافية على وجه الماء..‏

وبكى.. بكى هو القوي الجبار.. لكنه بعد لحظة تذكر المرأة التي تقف قبالته.. مسح دموعه خجلاً بكُمِ ردائه وقال:‏

ـ قولي لي أيتها المرأة.. ماذا تفعل الأفعى بنبتي؟‏

ـ لقد ازدردتها.. وخرجت من جلدها القديم.. انظر! ألا تراه بالقرب منك؟ إنها تبغي الخلود.. مثلك..‏

تلفت كلكامش في ما حوله.. ورأى جلد الأفعى القديم مرمياً بالقرب منه رفسه بقدمه.. وهو يتوعد الحية...‏

ـ إيه.. أيتها الأفعى.. لابد أن أنال منك في يوم من الأيام..‏

رفع كلكامش عينيه إلى سميرة وراح يمعن النظر فيها إذ وجد أنها لا تشبه عشتار.. ولا نساء زمانه.. قال مستغرباً:‏

ـ قولي لي أيتها المرأة.. من أين جئت أنت.. ومن أي زمان؟ إن الثوب الذي ترتديه لا يشبه ما كانت تلبسه النساء في زماني.. وشعرك لا يشبه شعورهن.. وإن كانت عيناك تشبه عيني عشتار الجميلتين..‏

ـ أنا أعيش أربعة آلاف.. خمسة آلاف سنة أو أكثر بعد زمانك..‏

صَفَّرَ كلكامش متعجباً وفتح عينيه على وسعهما.. وقال:‏

ـ هذا زمان طويل جداً.. طويل.. طويل..‏

وراح ينظر بعيداً في المدى.. متأملاً كيف مضى كل هذا الزمان.. وقد انعقد ما بين حاجبيه.. عاد بنظره إلى سميرة وقال:‏

ـ أنت ما اسمك؟ أيتها المرأة..‏

ـ أنا اسمي سميرة..‏

ـ سميرة؟ ..سميرة؟! يا لـه من اسم جميل.. وأنت جميلة كذلك.. أكُل النساء في زمانك جميلات مثلك؟‏

ـ أجل.. إنهنّ جميلات..‏

غمز كلكامش بعينه.. وقال:‏

ـ ليتني عشت في زمانك.. ولكن.. قولي لي.. ما الذي عاد بك إلى زماني؟‏

ـ إن لي ابناً جميلاً اسمه سعد.. وهو مريض يرقد في المستشفى.. وقد جئت إليك راجية أن تعطيني جزءاً صغيراً.. من نبتة الخلود لأعطيها لابني سعد.. كي أنقذه من المصير الذي آل إليه انكيدو.. إنه هناك.. هناك قرب النخلة يلوح لك بيده.. ألا تراه؟‏

ـ لا.. لا أرى شيئاً.. لكني آسف يا سميرة.. فقد ذهبت نبتة الخلود.. ولا أستطيع أن أعبر مياه الموت ثانية لأجلب نبتة أخرى إلا بصحبة الملاح أور ـ شنابي الذي اختفى لا أدري أين..‏

زحفت على صدره حشرة صغيرة من دواب الأرض.. اقشعر بدنه.. فأبعدها عن صدره وسحقها بقدمه. وراح يحك موضع لسعة الحشرة..‏

ـ أتؤلمك لسعة الحشرة تلك؟‏

ـ أجل.. إنها تحرقني..‏

ـ اسمع يا كلكامش.. قم وأغسل موضع اللسعة بماء الخليج حيث يكون الماء رائقاً.. إياك.. إياك.. إن تغسله بما تعكر منه بسبب بوارج الغزاة وما تنفثه من سموم..‏

ـ تباً لهم هؤلاء الغزاة.. إنهم يلحقون الأذى بأي مكان يذهبون إليه.. حتى أسماك الخليج لم يعد مذاقها كما كان.. أتظنين إن ذلك بسبب ما يتسرب من تلك البوارج اللعينة من نفايات؟‏

ـ أكيد.. أكيد يا كلكامش..‏

ـ اسمعي يا سميرة.. سأقول لك سراً..‏

توقف عن الكلام تَلَفَتَ يمنة ويسرة.. تجول بعينيه في كل الاتجاهات.. خشية أن يكون هناك من يسترق السمع إليه..‏

وقال هامساً:‏

ـ اقتربي يا سميرة.. اقتربي..‏

اقتربت سميرة منه.. وضع يده على كتفها وهمس بأذنها:‏

ـ إن الآلهة غضبى..‏

ـ لماذا؟‏

ـ إنها غضبى لأنها لم تعد قادرة على أن تستحم بمياه الخليج المقدسة.. لأنها تلوثت..‏

ـ إنها على حق.. فكل شيء أصابته اللعنة.. في هذه الديار...‏

وأفاقت سميرة من غفوتها.. وهي تردد بصمت.. وبقايا نعاس تخفق بين أجفانها..‏

لِمَ غفوت يا كلكامش وأتَحْتَ للأفعى أن تسرق منك سر الخلود؟!‏

فقط لو أنك بقيت صاحياً لما كنت أنت قد مُتَ وطَفَتْ جثتك على وجه الغمر العظيم.. إيه يا كلكامش.. لو أنك بقيت صاحياً لضمنت الحياة الأبدية لك..‏

ولسعد ابني.. ولأحلام وسلام.. داليا وسنار.. لمية وحبة العين رشا ولأروى ولكل الناس..‏

"طريق النار.."‏

جلست هناء إلى جانب أمها والحيرة والخوف يحاصرانها من كل جانب..‏

ما الذي يمكنها أن تفعله لو أن أمها أيضاً سقطت صريعة المرض.. وكأن مرض سعد لم يكن كافياً.. ماذا ستفعل وحدها في هذه الدنيا.. أتعيش وحيدة بلا جناح يضمها في ثنايا دفئه.. يبعد عنها ما قد تجيء به الأيام الآتيات من هموم تختفي طي المجهول.. أتظل نبتة متوحدة استنبتتها أرض مليئة بالأشواك في هذا العالم الذي ترتفع فيه رايات آكلي لحوم البشر؟! ليت الجدة تأتي الآن لتنقذها مما هي فيه...‏

(((‏

كان سعد مستغرقاً بالنوم بعد أن كانت الممرضة قد أعطته حقنة مورفين.. التفتت أمه إلى هناء تسألها وهي ما تزال تحت تأثير الحقنة المهدئة:‏

ـ هناء.. أين سعد؟‏

ـ إنه نائم..‏

ـ نائم؟‏

ـ أجل.. إنه نائم.. قال الطبيب من المهم أن يأخذ قسطاً من الراحة والنوم..‏

ـ فعلاً.. فعلاً.. إنه بحاجة لذلك..‏

قالت ذلك دون أن تعي ما تقوله.. أو تدرك مغزى ما تنطق به.. أو لِمَ تقوله.. لكنها سرعان ما استعادت وعيها وأدركت الموقف الذي كانت فيه.. نهضت من الأريكة.. وقفت إلى جانب سرير سعد وراحت تتأمل وجهه.. وتتابعت في مخيلتها صور سعد منذ أن كان رضيعاً فيخز حلمتها بسنيه الصغيرين.. سعد وهو مغمى عليه بعد سقوطه من الزلاقة.. سعد يركض وراء ندف الغيوم إذ تتساقط ظلالاً زمردية على العشب الأخضر.. فتتزلق من بين أصابعه قبل أن يمسك بها.. ونجيمات من فضة تتناثر من عينيه كبروق أضواء سماوية حين تهز أعماقه فرحة صغيرة.. ويلتهب خداه.. ارجواناً.. ووروداً جورياً.. سعد والدموع تلتمع في عينيه مثل حباتٍ من بلور.. إذ يرى أطفال الإشعاع والحياة تنسل من أجسادهم الصغيرة قبل أن يفقهوا معنى الحياة.. بلا ذنب.. بلا خطيئة.. وكأن صوتاً هامساً يردد في أعماقها: ((وكان يريد أن يصبح طبيباً ليعالج أولئك الأطفال.. وها هو نفسه يسقط صريعاً بالمرض ذاته!!)) وفي رأسها يدور سؤال واحد:‏

((لِمَ يا رب.. إنه ما يزال صغيراً على العذاب)).‏

غادرت الغرفة تبحث عن الطبيب حتى وجدته في إحدى ردهات الأطفال.. فبادرته قائلة:‏

ـ دكتور آسفة لمضايقتك..‏

ـ لا بأس.. تفضلي..‏

ـ دكتور.. أصدقني القول.. أليس من علاج لحالة سعد؟‏

تساءلت برغم معرفتها أنه ما من علاج حاسم لمثل هذه الحالة.. وإن كل ما هناك.. مسألة زمن.. ظل الطبيب صامتاً للحظة.. لا يدري بم يجيبها.. ثم قال:‏

ـ سنفعل كل ما بوسعنا.. ويبقى الأمر بيد الله.‏

لم تقل شيئاً.. وحين عادت إلى غرفة سعد.. حاولت أن تخفي ما كانت تشعر به من أحزان.. جلست إلى جواره وكان قد أفاق من نومته.. حاولت إن ترفع معنوياته.. حدثته عن سفرتهم إلى لندن.. وحديقة الزهور.. وعن الروضة وأيامها الحلوة.. وإن الأيام الآتيات ستكون أحلى وأجمل.. وسيدرس الطب في لندن بعد أن ينهي دراسته الإعدادية..‏

ـ ستأخذ ما يفيد في علاج أطفالنا مما لديهم من علوم ومعارف.. هم أخذوا منا فيما مضى.. ونحن نأخذ منهم اليوم.. وتعود إلينا طبيباً كبيراً يشار إليه بالبنان.. قل إن شاء الله..‏

لكن سعداً لم يقل إن شاء الله.. كان قد غفا.. تراءى لـه وجه أبيه وضاءً.. تحيط به هالة من نور.. كان يجلس في حديقة الدار تحت خميلة الياسمين الأحمر.. رفع يده ليقطف عنقوداً من زهر الياسمين.. كانت أصابعه تشع نوراً تطوف حولها فراشات ملونة.. عصافير صغيرة..حمائم بيض.. ونثيث مطر.. وغرقت الحديقة كلها بلحن سماوي أسيان.. اقترب سعد من أبيه..‏

ـ أبي...‏

ـ سعد.. حبيبي.. تعال إلي.. خذ.. خذ هذه الزهور.. قطفتها من أجلك.. من أجلك أنت..‏

ولوحت يده بباقة ورد بري أسود..‏

(((‏

كانت سميرة تدعو الله بصمت أن يشفي سعداً وكل الأطفال.. ولم تفارق سريره أبداً.. هناء كذلك لم تفارق غرفته طيلة النهار.. فقط أثناء الليل كانت جدتها تصطحبها معها إلى البيت.. العم فؤاد وزوجته نائلة وبناته الثلاث كانوا يزورونهم كل يوم وكذلك العمة سلمى ورياض وزوجته.. وأم طارق وولداها.. طارق وسامر.. وطيلة الوقت كانت أم سعد تفكر بأية طريقة يمكنها أن تخفف من معاناته وترفع معنوياته..‏

في يوم من الأيام لاحظت أن سعداً قد استغرق في نوم عميق.. على ما بدا حمدت الله انه نام أخيراً بعد ليلة قضاها يتقلب في فراشه بسبب ما كان يعانيه من أوجاع.. قالت لهناء:‏

ـ هناء.. سأجلب باقة من الورد من حانوت الهدايا في الطابق الأرضي..‏

وأعود فوراً.. لن أتأخر.. إن سعداً يحب الزهور.. ووجود البعض منها في غرفته يمكن أن يخفف شيئاً من آلامه..‏

وما كادت تنهى ما تقول.. حتى مد سعد يده بضعف ليتشبث بطرف قميص أمه.. فتح عينيه قليلاً.. وقال:‏

ـ ماما لا تتركيني وحدي..‏

ـ أنت صاحٍ؟ ظننتك نائماً فقلت سأنتهز الفرصة لأجلب لك بعض الزهور..‏

ـ لا يا أمي.. لا أريد زهوراً.. ابقي معي.. لا تتركيني وحدي.‏

ـ لا يا سعد.. لن أتركك وحدك..‏

ـ التفتت إلى هناء قائلة:‏

ـ هناء.. اذهبي أنت واجلبي بعض الزهور..‏

فتح سعد عينيه على وسعهما كمن يجفل مما يمكن أن يثير في أعماقه رعباً غير اعتيادي.. اجتاحت وجهه موجة من شحوب مخضوضر أعقبتها اختلاجات متسارعة في عضلات الوجه.. التوت شفتاه حتى بدتا وكأنهما تصرخان من الوجع أو الرعب.. مثل امرأة بيكاسو الباكية.. بهتت أم سعد جزعاً.. لكنها استعادت قدرتها على التفكير وضغطت زر المصباح الأحمر المثبت فوق باب الغرفة معلناً خطورة الحالة..‏

وقفت هناء في منتصف الغرفة وقد تجمدت رعباً.. بدأً صدر سعد يعلو ويهبط حتى كاد ينشطر نصفين.. أنفاسه قصيرة متسارعة وثمة أصوات متحشرجة تهرب من بين أسنانه المصطكة لحظة إثر لحظة.. فيما راحت أطرافه تختض بعنف.. أمسكت أمه بذراعه.. اقتربت هناء من سريره.. وضعت يديها على ساقية ظناً منها أن ذلك قد يهديء ارتجاجهما.. وقد اعتراها خوف كاد يشل حركتها.. لكنها استجمعت قواها وتساءلت بصوت مرتجف:‏

ـ ماما.. ما به سعد؟‏

أدارت أم سعد رأسها بتثاقل نحو هناء.. نظرت إليها بعينين منكسرتين.. لم تقل شيئاً.. رفعت يسراها ببطء.. وضعت سبابتها على شفتين ترتجفان هلعاً وقد اجتاحها الرعب إعصاراً لما آل إليه سعد.. فأخرسها عن الكلام.. عادت وأمسكت بذراعه.. والدمع يفيض من عينيها.. فيما كانت الجدة تقف جامدة عند رأسه وهي تتلو بصمت آيات قرآنية.. بدأت حالة سعد تخف تدريجياً.. توقفت الاختلاجات.. هدأ صدره.. وسكنت ذراعاه وساقاه.. انهارت أم سعد على مقعد مجاور.. فيما وقفت هناء جامدةً في مكانها والجدة كذلك وهي تتمتم أدعية ترفعها إلى الله.. انفتح الباب ودخل الطبيب تتبعه الممرضة.. وقبل أن يقترب من سرير سعد.. هرعت إليه أم سعد لتخبره بصوت منكسر ما حدث لسعد.. متعمدةً أن تقف وظهرها إلى سعد.. كان الطبيب يصغي باهتمام.. حتى إذا انتهت.. سألته:‏

ـ دكتور ((الله يخليك)) قل لي.. ما به سعد.. أهو الصرع؟‏

ـ التفت الطبيب إلى الممرضة:‏

ـ أعطني لوحة سجل سعد..‏

رفع سبابته دافعاً جسر نظارته إلى الأعلى.. تطلع في السجل.. أعاد النظر في التحاليل ثم قال:‏

ـ لا.. ليس الصرع.. إنه ذلك المعدن المشع.. إن الحالة التي وصفتها تؤكد إن بعض جزئيات هذا المعدن قد هاجمت الجهاز العصبي.. لكن الحالة التي اعترته نتيجة لترسب هذه الجزيئات في خلايا عصبية..تؤدي إلى هذا الوضع الذي يشبه الصرع..‏

ـ أليس هناك من علاج لمثل هذه الحالة؟‏

تطلع الطبيب في عيني أم سعد.. كان حائراً لا يدري ماذا يمكن أن يقول لها.. فنتائج التحاليل والفحوص الشعاعية تؤكد تعرض الجسد لهجمة راديومية مشعة.. وتظهر اضطراب وظيفة الكليتين.. كما تؤكد إصابته باللوكيميا الحادة.. إنها حالة ميئوس منها.. لا أمل هناك إطلاقاً.. إنها مسألة وقت.. أو ما يمكن أن نسميه ((موت مبرمج))..‏

كانت أم سعد تنظر بإصرار في وجه الطبيب.. لعله يأتيها بما يحيي في قلبها أملاً ميتاً.. كانت الممرضة تتطلع بحيرة في وجهه وفي رأسها سؤال واحد: ((ماذا سيقول لها؟)) فيما كان الطبيب نفسه غارقاً في دوامة من التفكير وهو يسافر بعيداً عن سعد وأم سعد.. تطوف في مخيلته وجوه طفلة شبحية هدها الوجع وهي تحث الخطى نحو النهاية المفجعة في ردهات المستشفى..‏

من لم يمت أثناء الغارات الجوية الصاعقة.. يمكن أن ينتظر موته الآتي.. طال الزمان أم قصر.. لا مفر من ذلك.. فرسل الموت:‏

دبابات.. مدرعات.. عربات مصفحة وقد غدت.. كلها.. صهير فولاذ مذاب.. وإلى غير ذلك مما ابتكره العقل البشري ليقتل الأخ أخاه الإنسان.. ما تزال راقدة هناك في أرض سومر.. وسهل ((شنعار)) حيث سار الأب المقدس ((أبرام)) الذي صار اسمه ((أبراهام)).. تبعث.. حتى آخر الزمان..‏

هداياها مغلفة بسحائب شفافة لا ترى:‏

((موت جميل مشع)) لكل جيل آت.. والرب يصيح من علاه:‏

قايين.. أين هابيل أخوك؟.. وطيب القلب كلكامش.. ما زال هناك.. يغوص في قاع الخليج.. باحثاً عن نبتة الخلود.. لكل البشر...‏

وانتبه الطبيب على صوت أم سعد:‏

ـ دكتور.. قل بربك.. ما العمل؟‏

ـ اسمعي أم سعد.. أنت امرأة مثقفة.. وأنت تعرفين ولاشك النتائج الناجمة عن القذائف المشعة..‏

ـ أجل.. أعرف ذلك..‏

ـ إذن.. هذا هو ما حصل لسعد.. إننا لا نستطيع أن نفعل أي شيء.. بعد كل الذي فعلناه.. لا أجهزة علاجية لدينا.. لا دواء لدينا.. وحتى لو توفر ذلك كله.. فلا فائدة ترتجى.. كل ما نستطيع فعله.. إن نعطيه مهدئات تخفف من آلامه.. لم يبق أمامنا غير أن ندعو الله إن يأتينا بمعجزة...‏

ـ معجزة؟!!‏

رددت أم سعد.. والدموع تلوب في عينيها.. ركضت هناء خارج الغرفة وراحت تبكي بحرقة في الممر.. والجدة تواصل قراءة آيات من القرآن.. وأدعية ترفعها إلى السماء...‏

توجه الطبيب نحو سرير سعد.. لحقت به أم سعد..‏

ـ كيف الحال يا سعد؟.. أنت اليوم أفضل من يوم أمس.. أليس كذلك؟‏

ـ لا أدري.. دكتور..‏

ـ إن شاء الله.. إن شاء الله.. سيكون الوضع أفضل..‏

رددت أم سعد والجدة في وقت واحد..‏

أعطى الطبيب توجيهاته إلى الممرضة لتعطيه حقنه مورفين.. وانصرف..‏



(((‏

السابعة مساءً..‏

التفتت سميرة إلى هناء:‏

ـ هناء حبيبتي.. حان الوقت لتذهبي مع جدتك..‏

ـ لا.. ماما.. لن أذهب الليلة.. سأبقى هنا.. معك ومع سعد..‏

ـ فيما قالت الجدة:‏

ـ سميرة.. أنا كذلك.. سأبقى الليلة معك..‏

ـ لا ماما.. أنت متعبة.. جئت منذ الصباح.. ولم تتناولي شيئاً.. لا أنت ولا هناء.. ولم تأخذي قسطاً من الراحة.. لا أظن أن هناك ما يدعو لبقائك ولبقاء هناء.. هي كذلك متعبة.. اذهبي وخذي هناء معك..‏

راحت هناء تبكي بحرقة.. قالت أمها هامسة:‏

ـ هناء لا تبكي.. قد توقظين سعداً..‏

احتضنتها وضمتها إلى صدرها.. قبلتها من رأسها..‏

ـ ماما.. أرجوك.. دعيني هنا الليلة.. الليلة فقط.. أنا خائفة.. وإذا تحسنت حالة سعد.. سأذهب غداً..‏

صمتت الأم لحظة ثم التفتت إلى أمها:‏

ـ أمي.. اذهبي إلى البيت أنت وهناء.. تناولا عشاءكما وارتاحا قليلاً ثم عودا إلى المستشفى..‏

ـ حسناً.. هذا حل جيد لنا جميعاً.. هيا يا هناء..‏

(((‏

تلك الليلة.. مثل الليالي التي فاتت.. لم تنم أم سعد.. ولا الجدة ولا هناء.. كانت النوبة التشنجية تتكرر بين حين وحين.. وكما ذكرت هناء صبيحة اليوم اللاحق حين جاء الطبيب لعيادته، إنها تكررت سبع مرات.. واستمر تكرارها طيلة النهار.. بعد كل نوبة كان سعد يستغرق في سبات غير مستقر.. لا يفيق منه إلا على حالة جديدة مرهقة من التشنج والرجفات المتعاقبة.. كان الطبيب يدرك جيداً أنها بداية الدخول في نفق مظلم يقود إلى العالم السفلي. أم سعد والجدة أدركتا كذلك إنها النهاية.. هناء وحدها لم تكن تدرك ما الذي كان يجري تحت جلد سعد.. لم تكن تعرف ما الذي يمكن أن يفعله الغبار المشع المعلق، دون أن يرى، في سماوات بغداد.. بعقوبة.. الموصل.. البصرة.. وكل مدن العراق..‏

في الليلة اللاحقة.. جاءت تلك الحالة التشنجية مرتين. تلك الليلة بقي العم فؤاد وزوجته نائلة.. والجدة وهناء في المستشفى.. كان الجميع يشعرون بما أصاب سعداً من إعياء وإرهاق.. سعد.. الذي كان يفيض حيوية.. مرحاًَ.. وألقاً.. مستبشراً بالحياة محباً لها.. أيمن أن ينام هذه النومة!‏

في وهدة الليل.. وانخساف القمر.. انسلَّ في ظلمات الكون.. مثل فحيح أفعى رقطاء.. أنينُ الريح.. أنينٌ موحش يجرح الفؤاد.. نثارٌ من وريقاتٍ يابساتٍ تساقط مدوماً مع الريح.. كنجيماتٍ انطفأ نورها.. لتتلاشى في العدم.. ارتعشت النوافذ.. ارتجفت الستائر ملقيةً على الجدران أضواء ضبابية باهتةً ألقت بها المصابيح الخارجية المعتمة.. مع ارتجاج باب الغرفة الذي كان صريره يشيع نوحاً كئيباً.. فيزرع في القلب وجعاً وأحزاناً وشيكة..‏

كان نبض سعد يتباطأ مع مرور كل لحظة.. نادته أمه.. أدار رأسه ببطء نحوها.. لم يكن قادراً على أن يفتح عينيه.. بجهد كبير مدَّ يَدَه إليها.. أمسكت بها.. كانت باردة كقطعة من الثلج.. راحت تمسّدها.. رفعتها إلى شفتيها.. قبلتها.. انحنت على وجهه.. قبلته من جبينه.. من خديه.. وهي تجاهد كي لا تتساقط من عينيها الدموع.. ضغطت يده بيدها.. وفي قلبها أمل يائس.. لعل ذلك يبعث الحياة فيها من جديد..‏

أنَّت الريح..‏

قليلاً. قليلاً.. فتح سعد عينيه.. ببطء.. راح يتطلع.. بعينين غائمتين.. في وجه أمه.. قبل أن يغمض جفنيه في حلم سرمدي يأخذه إلى حيث يلقى وجوهاً حبيبة.. سلام.. داليا.. مية.. سنار.. رشا ذات العيون الزرق.. الخالة أحلام.. والست أروى.. الذين ساروا من قبل في طريق النار...‏

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
رواية الليل و الزمان
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
Algerien Star :: أدب و شعر :: قصص قصيرة و روايات-
انتقل الى: